الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

58

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

يشاهدون بالحس ويرون بالعين ، كان الاستدلال برفع السماوات بغير عمد ، وتسخير الشمس والقمر ، وغير ذلك بما سيأتي أدخل في بيان المراد ، والزام لهم مما لا يشاهدونه ، وإن كان في خلق السماوات والأرض ذاته دليل من غير شك على وجود الصانع سبحانه لمن عنده عقل صحيح خال من الشوائب والكدورات . ولما ذكر تعالى دلائل وحدانيته ، وكمال قدرته من رفع السماء بغير عمد ، وأحوال الشمس والقمر ، أردفها بذكر الدلائل الأرضية كما يأتي . الدليل الثالث : قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ [ الرعد : 3 ] : والمعنى أنه سبحانه بسط الأرض طولا وعرضا ؛ لتثبت عليها الأقدام ، ويتقلب عليها الحيوان ، ووجه الاستدلال بامتداد الأرض أن كونها ممدودة ، أي ذات امتداد من الطول والعرض والعمق على قدر معين ، مع جواز كونها أزيد مقدارا مما هي عليه الآن ، أو أنقض منه ، لا بدّ له من مخصص كما تقدم ، ومد الأرض لا ينافي كونها كرة ؛ لأن الكرة إذا كانت في غاية الكبر ، كانت كل قطعة منها تشاهد كالسطح . الدليل الرابع : قوله جل شأنه : وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ [ الرعد : 3 ] : أي أنه سبحانه خلق في الأرض جبالا ثوابت باقية في حيزها ، غير متنقلة ، لا تتحرك ولا يتحرك ما هي راسية فيه ، وهذا لا يكون إلا بتخليق القادر الحكيم ، فضلا عن أن حصولها في بعض جوانب الأرض دون البعض الآخر ، مع أن طبيعة الأرض واحدة ، لا بدّ أن يكون بتخصيص الفاعل المختار . الدليل الخامس : قوله سبحانه : وَأَنْهاراً [ الرعد : 3 ] : أي وجعل في الأرض أنهارا جارية لمنافع الخلق ، والنهر هو المجرى الواسع من مجارى الماء ، وأصله الاتساع ، ومنه النهار ؛ لاتساع ضوئه . فمن ذا الذي هيأها لهذا النفع الدائم المتواصل للخلائق كلهم من إنسان ، وحيوان ، ودواب ، وهوام ، إنه ليس إلا اللّه الذي خلق كل شئ فقدره تقديرا . ثم إن فوائد المجارى المائية كثيرة ، وصدق اللّه العظيم إذ يقول : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ فاطر : 12 ] .